المقامة الصنعانية

القاسم بن علي الحريري

حلقة وعظ في صنعاء، وواعظ نحيف في عباءة بالية

صنعاء·وعظ ثم مائدة·81 لفظاً

المقامة الصنعانية

افتتاح الديوان: سجع الوعظ، ومفارقة المنبر والمغارة.

الراوي الحارث بن همام·البطل أبو زيد السروجي

حدث الحارث بن همام قال: لما الاغتراب، عن بي الزمنِ. إلى صنْعاء اليَمَنِ. فدَخَلْتُها خاويَ باديَ لا أملكُ ولا أجِدُ في جِرابي فطَفِقْتُ طُرُقاتِها مِثلَ الهائِمِ. وأجولُ في جَوَلانَ وأرُودُ في مَسارحِ لمَحاتي. ومَسايِحِ غدَواتي ورَوْحاتي. كريماً أُخْلِقُ لهُ وأبوحُ إلَيْهِ بحاجتي. أو أديباً تُفَرّجُ رؤيَتُه

وتُرْوي رِوايتُه حتى أدّتْني خاتمةُ المطافِ. وهدَتْني فاتِحةُ الألْطافِ. إلى نادٍ رَحيبٍ. مُحتَوٍ على زِحامٍ فوَلَجْتُ غابةَ الجمْعِ. مَجْلَبَةَ الدّمْعِ. فرأيتُ في الحَلْقَةِ. شخْصاً الخِلْقَةِ. عليْهِ وله رنّةُ وهوَ يطْبَعُ الأسْجاعَ بجواهِرِ لفظِهِ. ويقْرَعُ الأسماعَ وعْظِهِ. وقدْ أحاطت به الزُّمَرِ. إحاطَةَ بالقَمَرِ. بالثّمرِ.

إليهِ لأقْتَبِسَ من فوائدِه. وألْتَقِطَ بعْضَ فسمعتُهُ يقولُ حينَ خبّ في مجالِه. وهَدَرَتْ شَقاشِقُ ارتِجالِه. أيّها في السّادِلُ ثوْبَ الجامحُ في جَهالاتِهِ. الجانِحُ إلى إلامَ تسْتَمرُّ على غَيّكَ. وتَستَمْرئُ مرْعَى بغْيِكَ؟ وحَتّامَ تتَناهَى في ولا تَنْتَهي عن لَهوِكَ؟ تُبارِزُ بمعصيتكَ. مالِكَ ناصِيَتِكَ! وتجْتَرِئُ بقُبْحِ سيرَتِك. على عالِمِ سريرتِكَ!

وتَتَوارَى عَن قَريبِكَ. وأنتَ بمرأى رقيبِكَ! وتَستَخْفي مِن ممْلوكِكَ وما تَخْفى خافِيَةٌ على مَليكِكَ! أتَظُنُّ أنْ ستَنْفَعُكَ حالُكَ. إذا آنَ ارتِحالُكَ؟ أو يُنْقِذُكَ مالُكَ. حينَ أعمالُكَ؟ أو يُغْني عنْكَ ندَمُكَ. إذا زلّتْ قدَمُكَ؟ أو يعْطِفُ عليْكَ معشَرُكَ. يومَ يضُمّكَ مَحْشَرُكَ؟ هلاّ انتَهَجْتَ اهتِدائِكَ. وعجّلْتَ مُعالجَةَ دائِكَ. وفَلَلْتَ اعتِدائِكَ. وقدَعْتَ نفْسَكَ فهِيَ أكبرُ أعدائِكَ؟ أما ميعادُكَ.

فما إعدادُكَ؟ وبالمَشيبِ إنذارُكَ. فما أعذارُكَ؟ وفي فما قِيلُكَ؟ وإلى اللّه مَصيرُكَ. فمَن نصيرُكَ؟ طالما أيْقَظَكَ الدّهرُ فتَناعَسْتَ. وجذبكَ الوعْظُ فتقاعستَ! وتجلّتْ لكَ العِبَرُ فتَعامَيْتَ. لكَ الحقُّ وأذْكَرَكَ الموتُ فتناسيتَ. وأمكنَكَ أنْ تُؤاسِي فما آسيْتَ! تُؤثِرُ فِلساً على ذِكْرٍ تَعيهِ. وتَختارُ قَصْراً تُعْليهِ. على بِرٍ تُولِيهِ. وتَرْغَبُ عَنْ هادٍ تَسْتَهْدِيهِ . إلى زادٍ تَستَهْديهِ.

وتُغلِّبُ حُبّ ثوبٍ تشْتَهيهِ. على ثوابٍ تشْتَريهِ. الصِّلاتِ. أعْلَقُ بقَلبِكَ منْ مَواقيتِ الصّلاةِ. ومُغالاةُ آثَرُ عندَكَ من مُوالاةِ الصَّدَقاتِ. وصِحافُ الألْوانِ. أشْهى إلَيْكَ منْ صَحائِفِ الأدْيانِ. ودُعابَةُ الأقرانِ. آنَسُ لكَ منْ تِلاوَةِ القُرْآنِ! تأمُرُ بالعُرْفِ وتَنتَهِكُ حِماهُ. وتَحْمي عنِ ولا تَتحاماهُ! وتُزحزِحُ عنِ الظُلْمِ ثمْ تغْشاهُ. وتخْشَى الناسَ واللهُ أحقُّ أنْ تخْشاهُ! ثمّ أنْشَدَ:

تباً لطالِبِ دُنْيا

ثَنى إلَيها

ما يسْتَفيقُ غَراماً

بها وفَرْطَ

ولوْ دَرى لَكفَاهُ

مما يَرومُ

ثم إنهُ لبّدَ وغيّضَ واعْتَضَدَ فلمّا رنَتِ الجَماعَةُ إلى ورأتْ تأهُّبَهُ لمُزايَلَةِ مركَزِهِ. أدْخَلَ كلٌ منهُمْ يدَهُ في جيْبِهِ. فأفْعَمَ لهُ منْ وقال: اصْرِفْ هَذا في نفقَتِكَ. أو فرّقْهُ على رُفْقَتِكَ. فقبِلَهُ منهُم وانْثَنى عنْهُم مُثْنِياً. وجعَلَ يودِّعُ مَنْ يُشيّعُهُ. ليَخْفَى علَيْهِ ويُسرّبُ منْ يتْبَعُهُ. لكَيْ يُجْهَلَ

قال الحارِثُ بنُ هَمّامٍ: فاتّبعْتُهُ مُوارِياً عنْهُ عِياني. أثرَهُ منْ حيثُ لا يَراني. حتّى انْتَهى إلى مَغارَةٍ. فانْسابَ فيها على فأمْهَلْتُه ريثَما خلَعَ نعْلَيْهِ. وغسَل رِجلَيْهِ. ثمّ هجَمْتُ علَيهِ. فوجدتُهُ مُشافِناً لتِلْميذٍ. على خبْزِ وجَدْيٍ وقُبالَتَهُما فقلتُ لهُ: يا هذا أيَكونُ ذاكَ خبرَكَ. وهذا فزَفَرَ زفْرَةَ وكادَ يتميّزُ منَ ولمْ يزَلْ إليّ.

حتّى خِفْتُ أن عليّ. فلمّا أن خبَتْ نارُهُ. وتَوارَى أنْشَد:

لبِسْتُ أبغي

وأنْشَبْتُ في كل شِيصَه

وصيّرتُ وعْظيَ

بها

وألْجأني الدّهْرُ حتى ولَجْتُ

بلُطْفِ احتِيالي على اللّيثِ

على أنّني لم أهَبْ صرفَهُ

ولا نبَضَتْ لي مِنْهُ

ولا شرَعت بي على مَورِدٍ

يُدنّسُ عِرضيَ نفْسٌ حَريصَه

ولو أنْصَفَ الدّهرُ في حُكمِهِ

لَما ملّكَ الحُكْمَ أهلَ النّقيصَه

ثمّ قال ليَ: ادْنُ فكُلْ. وإنْ شِئْتَ فقُم وقُلْ. فالتَفَتّ إلى تِلميذِه وقُلتُ: عزَمْتُ عليْكَ بمَن تستَدفِعُ بهِ الأذى. لتُخْبرَنّي مَنْ ذا. فقال: هذا أبو زيْدٍ سِراجُ الغُرَباء. وتاجُ الأدَباء. فانصرَفْتُ من حيثُ أتيتُ. وقضَيْتُ العجَبَ ممّا رأيْتُ.