جرجان·نقد الشعراء·49 لفظاً
المقامة القريضية
حكم موجز، وسجع مزدوج، ثم انكشاف البطل من ثناياه.
الراوي عيسى بن هشام·البطل أبو الفتح الإسكندري
حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ هِشَامٍ قَالَ: طَرَحَتْني حَتَّى إذَا وَطِئْتُ جُرْجَانَ الأَقْصَى.
عَلَى الأَيَّامِ فِيهاَ يَدَ وَأَمْوَالٍ وَقَفْتُهَا عَلى التِّجَارَةِ، وَحَانُوتٍ جَعَلْتُهُ وَرُفْقَةٍ اتَّخَذْتُهَا صَحَابَةً، وَجَعَلْتُ لِلْدَّارِ، النَّهَار، وللحَانُوتِ بَيْنَهُمَا، فَجَلَسْنَا يَوْمًا نَتَذَاكَرُ وَأَهْلَهُ، شَابٌّ قَدْ جَلَسَ غَيْرَ بَعِيدٍ يُنْصِتُ وَكَأَنَّهُ يَفْهَمُ،
وَيَسْكتُ وَكَأَنَّهُ لَا يَعْلَمُ حَتَّى إِذَا مَالَ الكَلَامُ بِنَا مَيْلَهُ، وَجَرَّ الْجِدَالُ فِينَا ذَيْلَهُ، قَالَ: قَدْ أَصَبْتُمْ وَوَافَيتُمْ وَلَوْ شِئْتُ لَلَفْظْتُ وَلَوْ قُلْتُ وَلَجَلَوْتُ الْحقَّ في بَيَانٍ يُسْمِعُ الصُّمَّ، وَيُنزلُ فَقُلْتُ: يَا فَاضِلُ أدْنُ فَقَدْ مَنَّيْتَ، وَهَاتِ فَقَدْ أَثْنَيتَ، فَدَنَا وَقَالَ: سَلُونِي أُجِبْكُمْ،
وَاسْمَعُوا أُعْجِبْكُمْ.
فَقُلْنَا: مَا تَقُولُ فِي امْرِىءِ الْقَيسِ؟ قَالَ: هُوَ أَوَّلُ مَنْ وَقَفَ بِالدِّيارِ وَاغْتَدَى وَالطَّيرُ فِي وَوَصَفَ الْخيلَ بِصِفَاتِهَا، وَلَمْ يَقُلِ الشِّعْرَ كَاسِبًا. وَلَمْ يُجِدِ القَوْلَ رَاغِبًا، فَفَضَلَ مَنْ تَفَتَّقَ للْحِيلةِ لِسَانُهُ، لِلرَّغْبَة قُلْنَا: فَما تَقُولُ فِي الْنَّابِغَةِ؟
قالَ: إِذَا وَيَمْدَحُ إِذَا رَغِبَ، وَيَعْتَذِرُ إِذَا رَهِبَ، فَلَا يَرْمي إِلَّا صَائِبًا، قُلْنَا:فَمَا تَقُولُ فِي زُهَيرٍ؟
قَالَ يُذِيبُ الشِّعرَ، والشعْرُ يُذيبَهُ، وَيَدعُو القَولَ وَالسِّحْرَ يُجِيبُهُ، قُلْنَا: فَمَا تَقُولُ فِي طَرَفَةَ: قَالَ: هُوَ ماَءُ الأشْعَارِ وَكَنْزُ الْقَوَافِي وَمَديِنَتُهَا، مَاتَ وَلَمْ تَظْهَرْ أَسْرَارُ دَفَائِنِهِ وَلَمْ تُفْتَحْ أَغْلَاقُ خَزَائِنِهِ، قُلْنَا: فَمَا تَقُولُ فِي جَرِيرٍ وَالْفَرَزْدَقِ؟ أَيُّهُمَا أَسْبَقُ؟
فَقَالَ: جَرِيرٌ أَرَقُّ شِعْرًا، وَالْفَرَزْدَقُ صَخْرًا، وَأَكْثَرُ فَخْرًا وَجَرِيرٌ أَوْجَعُ وَأَشْرَفُ يَوْمًا وَالْفَرَزْدَقُ أَكَثَرُ وَأَكْرَمُ قَوْمًا، وَجَرِيرٌ إِذَا نَسَبَ وَإِذَا ثَلَبَ وَإِذَا مَدَحَ وَالْفَرزدقُ إِذَا افْتَخَرَ وَإِذَا احْتَقرَ وَإِذا وصَفَ أَوفَى، قُلنَا: فَمَا تَقُولُ فِي المُحْدَثِينَ منْ الشُّعَراءِ والمُتَقَدِّمينَ مِنهُمْ؟
قالَ: المُتَقَدِّمونَ أَشْرفُ لَفْظًا، وَأَكثرُ منْ حَظًا، وَالمُتَأَخِّرونَ أَلْطَفُ صُنْعًا، وَأَرَقُّ نَسْجًا، قُلْنا: فَلَو أَرَيْتَ مِنْ أَشْعارِكَ، وَرَوَيْتَ لَنا مِنْ أَخْبارِكَ، قالَ: خُذْهَما في واحِدٍ، وَقالَ:
أَما تَرَوْني أَتَغَشَّى
مُمْتَطِيًا في الضُّرِّ أَمْرًا مُرّا
عَلى اللَّيالي
مُلاقِيًا مِنْها حَمْرَا
أَقْصَى أَمانِيَّ طُلُوعُ
فَقَد عُنِينَا بِالأَمَاني دَهْرا
وَكانَ هذَا الحُرُّ أَعْلى قَدْرا
وَماءُ هذَا الوَجْهِ أَغْلى سِعْرَا
ضَرَبْتُ لِلسَّرّا قِبَابًا خُضْرَا
فِي دَارِ دَارَا وَإِوَانِ كِسْرى
فَانْقَلَبَ الدَّهْرُ لِبَطْنٍ ظَهْرا
وَعَادَ عُرْفُ العَيْشِ عِنْدي نُكْرَا
لَمْ يُبْقِ مِنْ وَفْرِى إِلَّا ذِكْرَى
ثُمَّ إِلى اليَوْمِ
لَوْلا عَجُوزٌ لِي بِسُرَّ مَنْ رَا
دونَ جِبَالِ بُصْرَى
قَدْ جَلَبَ الدَّهْرُ عَلَيْهِمْ ضُرَّا
قَتَلْتَ يَا سَادَةُ نَفْسي صَبْرَا
قَالَ عِيسَى بْنُ هِشَامٍ، فَانَلْتُهُ مَا وَأَعْرَضَ عَنَّا فَرَاحَ. فَجَعَلْتُ أَنْفيهِ وَأُثْبتُهُ، وَأَنْكِرُهُ وَكَأَنِّي أَعْرِفُهُ، ثُمَّ دَلَّتْنِي عَلَيهِ فَقُلْتُ: وَاللَّهِ، فَقَدْ كَانَ فَارَقَنَا وَوَافانا وَنَهَضْتُ عَلى إِثرِهِ، ثَمَّ قَبَضْتُ عَلَى خَصْرِهِ، وَقُلْتُ: أَلَسْتَ أَبَا الفَتْحِ؟ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينا وَلِيدًا وَلَبِثْتَ فِينا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ؟
فَأَيُّ عَجُوزِ لَكَ بِسُرَّ مَنْ رَا فَضَحِكَ إِليَّ وَقَالَ:
وَيْحَكَ هذَا الزَّمَان
فَلَا يَغُرَّنَّكَ الغُرُورُ
لَا تَلْتَزِمْ حَالَةً، وَلكِنْ
دُرْ بِالَّليَالِي كَمَا تَدُورُ
