حلوان·معارضة التشبيه·85 لفظاً
المقامة الحلوانية
مجلس كتب، وبديهة تعيد تشبيه الثغر حتى يذعن الرواة.
الراوي الحارث بن همام·البطل أبو زيد السروجي
حَكى الحارِثُ بنُ هَمّامٍ قال: مُذْ عني بيَ بأنْ الأدَبِ. إليْهِ رِكابَ الطّلَبِ. لأعْلَقَ منْهُ بِما يكونُ لي زينَةً بينَ الأنامِ. عندَ وكُنْتُ لفَرْطِ باقْتِباسِه. والطّمَعِ في تقمّصِ لِباسِهِ. أُباحِثُ كلّ مَنْ جَلّ وقَلّ. وأسْتَسْقي وأتعلّلُ بعَسى ولَعلّ. فلمّا حلَلْتُ وقدْ الإخْوانَ.
وخبَرْتُ ما شانَ وَزانَ. بها أبا زيْدٍ يتقلّبُ في قوالبِ الانتِسابِ. ويخْبِطُ في أساليبِ الاكتِسابِ. فيدّعي تارَةً أنّهُ من آلِ ويعْتَزي مرّةً إلى ويبْرُزُ طَوراً في شِعارِ الشّعَراء. ويَلبَسُ حيناً كِبَرَ الكُبَراءِ. أنّهُ معَ تلوّنِ حالِهِ. وتبَيّنِ يتحلّى ورِوايَةٍ. وبَلاغَةٍ رائِعَةٍ. وبَديهةٍ مُطاوعةٍ. وآدابٍ بارِعةٍ. وقدَمٍ لأعْلامِ العُلومِ فارِعةٍ.
فكانَ لمحاسِنِ آلاتِهِ. يُلْبَسُ على عِلاّتِه. ولِسَعَةِ رِوايَتِه. يُصْبى إلى رؤيَتِهِ. ولخلابَةِ يُرْغَبُ عنْ مُعارضَتِهِ. ولعُذوبَةِ إيرادِهِ. يُسْعَفُ بمُرادِهِ. فتعَلّقتُ لخَصائِصِ آدابِهِ. ونافَسْتُ في لنَفائِسِ صِفاتِه.
فكُنتُ بهِ أجْلو هُمومي وأجْتَلي
زمانيَ طلقَ الوجْهِ مُلتَمِعَ الضّيا
أرَى قُرْبَهُ قُرْبى غُنْيَةً
ورؤيَتَهُ رِيّاً لي حَيا
ولَبِثْنا على ذلِكَ بُرْهَةً. يُنْشئ لي كلَّ يومٍ نُزهَةً. ويدْرَأُ عن قلبي شُبهَةً. إلى أنْ لهُ يَدُ كأس الفِراقِ. وأغْراهُ عدَمُ بتَطْليقِ ولفَظَتْهُ إلى الآفاقِ. ونظَمَهُ في سِلْكِ الرّفاقِ. خُفوقُ رايةِ فشحَذَ للرّحْلَةِ عزْمَتِهِ. يقْتادُ القلْبَ
فما مَنْ لاقَني بعْدَ بُعْدِهِ
ولا مَنْ ساقني لوِصالِهِ
ولا لاحَ لي مُذْ ندّ نِدٌ لفَضْلِهِ
ولا ذو خِلالٍ حازَ مثلَ
عني حيناً. لا أعرِفُ لهُ ولا أجِدُ عنْهُ مُبيناً. فلمّا أُبْتُ منْ غُربَتي. إلى منْبِتِ شُعْبَتي. حضَرْتُ دارَ كُتُبِها التي هيَ مُنتَدى المتأدّبينَ. ومُلتَقَى القاطِنينَ منهُمْ والمُتغرّبينَ. فدخَلَ ذو لِحْيَةٍ كثّةٍ. وهيئَةٍ رثّةٍ. فسلّمَ على الجُلاّسِ. وجلَسَ في أُخرَياتِ الناسِ. ثمّ أخذَ يُبْدي ما في ويُعْجِبُ الحاضِرينَ بفصْلِ خِطابِهِ. فقال لمَنْ يَليه: ما الكِتابُ الذي تنظُرُ فيهِ؟ فقالَ: ديوانُ أبي
المشْهودِ لهُ بالإجادَةِ. فقال: هلْ عثَرْتَ لهُ فيما لمحْتَهُ. على بَديعٍ استَملَحْتَهُ؟ قال: نعمْ قولُه:
كأنّما تبْسِمُ عن لُؤلُؤٍ
منضّدٍ أو برَدٍ أو
فإنّهُ أبدَعَ في التّشبيهِ. المُودَعِ فيهِ. فقالَ لهُ: يا لَلعجَبِ. ولَضَيْعَةِ الأدبِ! لقدِ يا هَذا ذا ورَمٍ. ونَفَخْتَ في غيرِ أينَ أنتَ منَ البيْتِ النّدْرِ. الجامِعِ مُشَبّهاتِ وأنْشَد:
نفْسي الفِداءُ لثَغْرٍ راقَ
وزانَهُ ناهيكَ من
عن لُؤلُؤٍ رطْبٍ وعن برَدٍ
وعن وعن وعن
فاستَجادَهُ مَنْ حضَر واسْتَحْلاهُ. واستَعادَهُ منْهُ واسْتمْلاهُ. وسُئِلَ: لمنْ هذا البيتُ. وهلْ حيٌ قائِلُهُ أو ميْتٌ؟ فقال: أيْمُ اللهِ لَلحَقُّ أحَقُّ أنْ يُتّبَعَ. ولَلصّدْقُ حَقيقٌ بأنْ يُستَمَعَ! إنّهُ يا قَوْمُ. لنَجيّكُمْ مُذُ اليوْمَ. قال: فكأنّ الجَماعَةَ ارْتابَتْ بعزْوَتِه. وأبَتْ تصْديقَ دعْوَته. فتوجّسَ ما هجَسَ في أفْكارِهِمْ. وفطِنَ لِما بَطَنَ مِنِ استِنْكارِهِمْ. وحاذَرَ أنْ يفْرُطَ إليْهِ ذمّ. أو يَلْحَقَهُ وصْمٌ.
فقرأ: إنّ بعْضَ الظنّ إثْمٌ. ثم قال: يا رُواةَ وأُساةَ القوْلِ المَريضِ. إنّ خُلاصَةَ الجوهَرِ تظهَرُ بالسّبْكِ. ويدَ الحقّ تصْدَعُ رِداءَ الشّكّ. وقدْ قيلَ فيما غبَرَ منَ الزّمانِ: عندَ الامتِحانِ. يُكرَمُ الرّجُلُ أو يُهانُ. وها أنا قدْ عرّضْتُ خبيئَتي للاخْتِبارِ. وعرَضْتُ حَقيبَتي على الاعْتِبارِ. فابْتَدَر. أحدُ مَنْ حضَرَ. وقال: أعرِفُ بيْتاً لمْ يُنسَجْ على مِنْوالِهِ. ولا سمَحَتْ قَريحةٌ بمِثالِهِ. فإنْ آثَرْتَ القُلوبِ.
فانْظِمْ على هذا الأسْلوبِ. وأنْشَدَ:
فأمطَرَتْ لؤلؤاً من وسقَتْ
ورْداً وعضّتْ على
فلم يكُنْ إلا كلَمْحِ البَصَرِ أو هُوَ أقرَبُ. حتى أنْشَدَ فأغْرَب:
سألتُها حينَ زارَتْ نَضْوَ ال
وأيداعَ سمْعي أطيَبَ الخبَرِ
فزَحزَحَتْ غشّى قمَرٍ
وساقَطَتْ لُؤلؤاً من خاتَمٍ عطِرِ
فحارَ الحاضِرونَ لبَداهَتِه. واعتَرَفوا بنَزاهَتِه. فلمّا آنَسَ استِئْناسَهُمْ بكَلامِهِ. وانصِبابَهُمْ إلى شِعْبِ إكْرامِهِ. أطْرَقَ كطَرْفَةِ العَينِ. ثمّ قال: ودونَكُمْ بيتَينِ آخرَينِ. وأنشدَ:
وأقبَلَتْ يومَ جَدَّ في حُلَلٍ
سودٍ تعَضُّ بَنانَ النّادِم
فلاحَ ليْلٌ على صُبْحٍ أقلّهُما
غُصْنٌ البِلّورَ
فحينَئذٍ استَثْمَنَ القوْمُ قيمَتَهُ. واستَغْزَروا وأجْمَلوا عِشْرَتَهُ. وجمّلوا قال المُخْبِرُ بهَذِهِ الحِكايَةِ: فلمّا رأيتُ تلهُّبَ وتألُّقَ أمعَنْتُ النّظَرَ في وسرّحْتُ الطّرْفَ في فإذا هوَ شيخُنا وقدْ أقْمَرَ ليلُه فهنّأتُ نفسي بمَورِدِهِ. وابتدَرْتُ اسْتِلام يدِهِ. وقلتُ لهُ: ما الذي أحالَ صفَتَكَ. حتى جهِلْتُ معرِفَتَكَ؟ وأيّ شيء شيّبَ لحيَتَكَ.
حتى أنْكَرْتُ حِليَتَكَ؟ فأنشأ يقول:
وقْعُ شيّبْ
والدّهرُ بالناسِ قُلَّبْ
إنْ دانَ يوماً لشَخْصٍ
ففي غدٍ يتغلّبْ
فلا تثِقْ
منْ برْقِهِ فهْوَ
واصْبِرْ إذا هوَ
بكَ
فما على عارٌ
في النّارِ حينَ يُقلَّبْ
ثمّ نهضَ مُفارِقاً موضِعَهُ. ومُستَصْحِباً القُلوبَ معَهُ.
