المقامة البغدادية

بديع الزمان الهمذاني

سوق الكرخ، حمّار ريفي وشواء تتقاطر منه الدهن

الكرخ·حيلة الطعام·29 لفظاً

المقامة البغدادية

وصف يُشهي، ثم ينقلب الفخ على الضيف.

الراوي عيسى بن هشام·البطل أبو الفتح الإسكندري

حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ هِشَامٍ قَالَ: اشْتَهَيْتُ وأَنَا بِبَغْدَادَ، وَلَيِسَ مَعْي عَلى فَخَرْجْتُ حَتَّى أَحَلَّنِي فَإِذَا أَنَا يَسُوقُ بِالجَهْدِ حِمِارَهُ، إِزَارَهُ، فَقُلْتُ: ظَفِرْنَا وَاللهِ بِصَيْدٍ، وَحَيَّاكَ اللهُ أَبَا زَيْدٍ، مِنْ أَيْنَ أَقْبَلْتَ؟ وَأَيْنَ نَزَلْتَ؟ وَمَتَى وَافَيْتَ؟

إِلَى البَيْتِ، فَقَالَ لَسْتُ بِأَبِي زَيْدٍ، وَلَكِنِّي أَبْو عُبَيْدٍ، فَقُلْتُ: نَعَمْ، لَعَنَ اللهُ الشَّيطَانَ، وَأَبْعَدَ النِّسْيانَ، أَنْسَانِيكَ طُولُ العَهْدِ، وَاتْصَالُ البُعْدِ، فَكَيْفَ حَالُ أَبِيكَ؟ أَشَابٌ كَعَهْدي، أَمْ شَابَ بَعْدِي؟

فَقَالَ: َقدْ نَبَتَ الرَّبِيعُ عَلَى وَأَرْجُو أَنْ يُصَيِّرَهُ اللهُ إِلَى جَنَّتِهِ، فَقُلْتُ: إِنَّا للهِ وإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ، وَلاَ حَوْلَ ولاَ قُوةَ إِلاَّ بِاللهِ العَلِيِّ العَظِيم، وَمَدَدْتُ يَدَ إِلي أُرِيدُ تَمْزِيقَهُ، فَقَبَضَ عَلى خَصْرِي وَقَالَ: اللهَ لا مَزَّقْتَهُ، فَقُلْتُ: إِلى البَيْتِ نُصِبْ غَدَاءً، أَوْ إِلَى السُّوقِ نَشْتَرِ شِواءً،

وَالسُّوقُ أَقْرَبُ، وَطَعَامُهُ أَطْيَبُ، فَاسْتَفَزَّتْهُ وَعَطَفَتْهُ عَاطِفُةُ اللَّقَمِ، وَطَمِعَ، وَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّهُ وَقَعَ، ثُمَّ أَتَيْنَا شَوَّاءً يَتَقَاطَرُ شِوَاؤُهُ عَرَقاً، وَتَتَسَايَلُ مَرَقاً، فَقُلْتُ: افْرِزْ لأَبِي زَيْدٍ مِنْ هَذا الشِّواءِ، ثُمَّ زِنْ لَهُ مِنْ تِلْكَ الحَلْواءِ، واخْتَرْ لَهُ مِنْ تِلْكَ الأَطْباقِ، وانْضِدْ عَلَيْهَا أَوْرَاقَ الرُّقَاقِ،

وَرُشَّ عَلَيْهِ شَيْئَاً مِنْ مَاءِ لِيأَكُلَهُ أَبُو زَيْدٍ هَنيَّاً، فَأنْخَى الشَّوّاءُ عَلَى فَجَعَلها كَالكُحْلِ سَحْقاً، وَكَالطِّحْنِ دَقّا، ثُمَّ جَلسَ وَجَلَسْتُ، ولا يَئِسَ وَلا يَئِسْتُ، حَتَّى اسْتَوفَيْنَا، وَقُلْتُ لِصَاحِبِ الحَلْوَى: زِنْ لأَبي زَيْدٍ مِنَ فَهْوَ أَجْرَى فِي الحُلْوقِ، وَأَمْضَى فِي العُرُوقِ، وَلْيَكُنْ لَيْلِيَّ العُمْرِ، يَوْمِيَّ النَّشْرِ،

رَقِيقَ القِشْرِ، كَثِيفِ الحَشْو، لُؤْلُؤِيَّ الدُّهْنِ، كَوْكَبيَّ اللَّوْنِ، يَذُوبُ كَالصَّمْغِ، قَبْلَ المَضْغِ، لِيَأْكُلَهُ أَبُو زَيْدٍ هَنِيَّاً، قَالَ: فَوَزَنَهُ ثُمَّ قَعَدَ وَقَعدْتُ، وَجَرَّدَ وَجَرَّدْتُ، حَتىَّ اسْتَوْفَيْنَاهُ، ثُمَّ قُلْتُ: يَا أَبَا زَيْدٍ مَا أَحْوَجَنَا إِلَى مَاءٍ بِالثَّلْجِ، لِيَقْمَعَ هَذِهِ هذِهِ اللُّقَمَ الحَارَّةَ، اجْلِسْ يَا أَبَا زَيْدٍ حَتَّى نأْتِيكَ

يَأْتِيكَ بِشَرْبةِ ماءٍ، ثُمَّ خَرَجْتُ وَجَلَسْتُ بِحَيْثُ أَرَاهُ ولاَ يَرَانِي أَنْظُرُ مَا يَصْنَعُ، فَلَمَّا أَبْطَأتُ عَلَيْهِ قَامَ إِلَى حِمَارِهِ، فَاعْتَلَقَ الشَّوَّاءُ بِإِزَارِهِ، وَقَالَ: أَيْنَ ثَمَنُ ما أَكَلْتَ؟

فَقَالَ: أَبُو زَيْدٍ: أَكَلْتُهُ ضَيْفَاً، فَلَكَمَهُ لَكْمَةً، وَثَنَّى عَلَيْهِ بِلَطْمَةٍ، ثُمَّ قَالَ الشَّوَّاءُ: هَاكَ، وَمَتَى دَعَوْنَاكَ؟ زِنْ يَا أَخَا عِشْرِينَ، فَجَعَلَ يَبْكِي وَيَحُلُّ بِأَسْنَانِهِ وَيَقُولُ: كَمْ قُلْتُ لِذَاكَ أَنَا أَبُو عُبَيْدٍ، وَهْوَ يَقُولُ: أَنْتَ أَبُو زَيْدٍ، فَأَنْشَدْتُ:

أَعْمِلْ لِرِزْقِكَ كُلَّ آلهْ

لاَ تَقْعُدَنَّ بِكُلِّ حَالَهْ

وَانْهَضْ بِكُلِّ عَظِيَمةٍ

فَالمَرْءُ يَعْجِزُ لاَ